النويري
4
نهاية الأرب في فنون الأدب
صغار ، وتخيّط ، وتحمل من التّبّت إلى خراسان . قال : وقال أحمد بن أبي يعقوب مولى بنى العبّاس : ذكر لي جماعة من العلماء بمعدن المسك أنّ معادنه بأرض ( التّبّت ) وغيرها معروفة ، قد ابتنى الجلَّابون فيها بناء يشبه المنار في طول عظم الذّراع ، فتأتي هذه البهيمة الَّتى من « 1 » سررها يتكوّن المسك فتحكّ سررها بتلك المنار ، فتسقط السّرر هنالك ، فيأتي إليه الجلَّابون في وقت من السنة قد عرفوه ، فيلتقطون ذلك مباحا لهم ، فإذا وردوا به إلى ( التّبّت ) عشّر « 2 » عليهم . وقال قوم : إنّ « 3 » هذه الدابّة خلقها اللَّه تعالى معدنا للمسك ، فهي تثمره في كلّ سنة وهو فضل دموىّ يجتمع من جسمها إلى سررها في كلّ عام في وقت معلوم ، بمنزلة الموادّ التي تنصبّ إلى الأعضاء ؛ فإذا حصل في سررها ورم وعظم ، مرضت له وتألَّمت حتّى يتكامل ؛ فإذا بلغ وتناهى حكَّته بأظلافها « 4 » ، فيسقط في تلك المفاوز والبرارىّ ، فيخرج اليه الجلَّابون فيأخذونه . قال : وهذا أصّح ما قيل في باب المسك . قال : ويشهد بصحّة ذلك ويوافقه ما حكاه محمد بن العبّاس المسكىّ في كتابه : أنّ تجار المسك من أهل الصّغد « 5 » يذكرون أنّ المسك سرّة دابّة
--> « 1 » لعله « في » مكان قوله « من » كما يقتضيه سياق العبارة ، أي يتكون في سررها ، أو لعل المؤلف ضمن « يتكون » معنى « يخرج » فسوغ له هذا التضمين ذكر « من » ، أي يخرج من سررها . « 2 » عشر ، أي أخذ عليه العشر . « 3 » في ( ا ) « في » مكان قوله : « إن » ؛ وقد يتكلف تصحيحه باعتبار أن مقول القول يبتدئ من قوله : « خلقها اللَّه » . « 4 » في ( ا ) : « بأظفارها » . « 5 » الصغد - ويقال بالسين أيضا - وهى كورة قصبتها ( سمرقند ) ، وهى قرى متصلة من ( سمرقند ) إلى قريب من بخارى . وقال الجيهانى : إن مساحته ستة وثلاثون فرسخا في ستة وأربعين ؛ وبعضهم يجعل ( بخارى ) من ( الصغد ) ؛ وهو من متنزهات الدنيا الأربعة ، وهى ( غوطة دمشق ) و ( صغد سمرقند ) و ( نهر الأبلة ) و ( شعب بوان ) . وقال اليعقوبي في ( كتاب البلدان ص 293 طبع ليدن ) : إن بالصغد مدنا جليلة منيعة حصينة ، منها ( دبوسية ) و ( كشانية ) و ( كش ) و ( نسف ) - وهى نخشب - وقد افتتح كور الصغد قتيبة بن مسلم الباهلي أيام الوليد بن عبد الملك .